عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )

480

لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام

في الطب الصوري الذي يدبر به الأبدان بما به حفظ صحتها إن كانت موجودة ، أو ردها إن كانت مفقودة ، فكما أنه متى غلب على البدن بعض الكيفيات أو الأخلاط ، لم ينفعه حتى الاقتصار على ما يحفظ به الصحة واعتدال المزاج ، ربما يصير ذلك الغذاء الموافق في وقت الصحة مضرّا له في وقت المرض . كما قال أبقراط : البدن غير « 1 » النقى كلما غذيته زدته شرّا ، بل لا بد من استعمال أدوية مضادة بالكيفية ، مزيلة بالخاصية ، لما كان سببا للمرض ، من زيادة الخلط وانحراف الكيفية ، إلى أن تتعادل الكيفيات وتتكافأ الأخلاط ، وحتى يصح أن يقتصر على ما تنحفظ به الصحة من الأغذية والأشربة . فهكذا متى غلبت أحكام النفس الأمارة ، وتكاثفت الحجب الظلمانية التي في القلب بمنزلة الأمراض المزمنة للقالب ، لم يكف في إزالتها الاقتصار على ما عينته الشريعة من الأقوال والأفعال والحركات والسكنات ، التي إنما أمر بها لحفظ العدالة بل يحتاج أولا إلى ما يزال به تلك العلل والحجب ، من أقوال وأفعال وحركات وسكنات موجبة لزوال تلك الأمراض والحجب ، بمنزلة العقاقير والمعاجين والأشربة والأدوية القولية والفعلية والحالية والحقية ، حتى يظهر الصحة والعدالة بظهور الحقيقة القلبية ، وحتى يصح الاقتصار على ملازمة ما عينته الشريعة لحفظ الصحة القلبية . أما قبل إزالة أحكام الحجب والانحرافات ربما أودت السالك زيادة في تعويقه عن الوصول إلى مطلوبه ، كما يرى عليه كثير من عوام الناس ، حيث يورثهم القيام [ 117 و ] بوظائف العبادات وملازمة الذكر والتلاوة من حظوظ النفس والعجب وغير ذلك من الأخلاق الذميمة التي لا تعرض لأهل الإعراض عن الطريق .

--> ( 1 ) في الأصل الغير .